محمد كرد علي
174
خطط الشام
الجند سببا في قوته وسلطانه فأخذ ملك الروم يهاديه ويطلب رضاه لاتساع مملكته ومكانتها بين مملكة الشرق ومملكة الغرب الإسلاميتين ، ولم يلبث أحمد بن طولون أن أخذ على الجند والشاكرية والموالي وسائر الناس البيعة لنفسه ، على أن يعادوا من عاداه ويوالوا من والاه ويحاربوا من حاربه من الناس جميعا . وانفرد بخراجها ، وأدرك رجال السياسية في بغداد أن ابن طولون التركي لم يقض على دولة سيما الطويل التركي حبا بسواد عيون الخلفاء ، بل ليستأثر بالأمر دونهم عندما تسنح الفرص . وكان ابن طولون لعدله وحسن سياسته يفضله الناس على بعض الخلفاء ، وفي الحق أنه كان على جانب من العدل ، وحسن السيرة ، وعلو الهمة وبعد النظر ، والتفكر في عمران مملكته حتى زاد خراجها ، وكان هديه في ذلك هدي المعتصم العباسي ، وكان هذا يحب العمارة ويقول إن فيها أمورا محمودة أولها عمران الأرض التي يحيى بها العالم ، وعليها يزكو الخراج ، وتكثر الأموال ، وتعيش البهائم ، وترخص الأسعار ، ويكثر الكسب ، ويتسع المعاش ، وكان يقول لوزيره محمد بن عبد الملك : إذا وجدت موضعا متى أنفقت فيه عشرة دراهم جاءني بعد سنة أحد عشر درهما فلا تؤامرني فيه . فاستعان ابن طولون بما تدر عليه مصر من الخراج على تقوية سلطانه وكثرت صدقاته ، وما يجريه على القراء والفقهاء ، حتى كان يرسل كل سنة مائة ألف دينار لفقراء بغداد عدا كساوي الصيف والشتاء وعدا ما يرسل به إلى الثغور وإلى الحرمين . وجاء المعتضد إلى الخلافة وهو من أعقل خلفاء العباسيين فعرض عليه أبو الجيش خمارويه بن طولون أن يصهر إلى ولي عهد الخلافة ويزوجه ابنته قطر الندى ، فقال الخليفة : بل أنا أتزوجها وقال : ما قصدت بهذا الزواج إلا إفقار بني طولون لأنهم يضطرون أن يجهزوها بجهاز لم تجهز به عروس من قبل ، وكان الأمر كما قال ، فإنها جهزت بما استفرغ خزائن صاحب مصر والشام . قيل : إنه كان في جهازها ألف هاون ذهبا . . وكانت قطر الندى من أجمل بنات عصرها ، وأكثرهن أدبا وفضيلة . وقد عقد لها على المعتضد سنة 281 وشرط المعتضد على أبيها أن يحمل كل سنة بعد